ابن قيم الجوزية
562
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
الأبناء ، وجعلتها كأن لم تكن ، وكذلك الآيات التي أظهرها سبحانه على يد الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم . والعجائب والحكم والمصالح والفوائد التي في تلك القصة التي تزيد على الألف ، لم تكن لتحصل بدون ذلك السبب الذي كان فيه مفسدة حزونة يعقوب ويوسف ، ثم انقلبت تلك المفسدة مصالح ، اضمحلّت في جنبها تلك المفسدة بالكلية ، وصارت سببا لأعظم المصالح في حقّه وحقّ يوسف وحق الإخوة وحق امرأة العزيز وحق أهل مصر وحق المؤمنين إلى يوم القيامة ، فكم جنى أهل المعرفة باللّه وأسمائه وصفاته ورسله من هذه القصة من ثمرة ، وكم استفادوا بها من علم وحكمة وتبصرة . وكذلك المفسدة التي حصلت لأيوب من مسّ الشيطان له بنصب وعذاب ، اضمحلّت وتلاشت في جنب المصلحة والمنفعة التي حصلت له ولغيره عند مفارقة البلاء وتبدّله بالنعماء ، بل كان ذلك السبب المكروه هو الطريق الموصل إليها ، والشجرة التي جنيت ثمار تلك النعم منها . وكذلك الأسباب التي أوصلت خليل الرحمن إلى أن صارت النار عليه بردا وسلاما ، من كفر قومه وشركهم وتكسيره أصنامهم وغضبهم لها وإيقاد النيران العظيمة له وإلقائه فيها بالمنجنيق ، حتى وقع في روضة خضراء في وسط النار ، وصارت آية وحجة وعبرة ودلالة للأمم قرنا بعد قرن ، فكم للّه سبحانه في ضمن هذه الآية من حكمة بالغة ونعمة سابغة ورحمة وحجة وبيّنة ، لو تعطلت تلك الأسباب ، لتعطلت هذه الحكم والمصالح والآيات ، وحكمته وكماله المقدس يأبى ذلك ، وحصول الشيء بدون لازمه ممتنع . وكم بين ما وقع من المفاسد الجزئية في هذه القصة وبين جعل صاحبها إماما للحنفاء إلى يوم القيامة . وهل تلك المفاسد الجزئية إلا دون مفسدة الحرّ والبرد والمطر والثلج